عندما تولد "القرية الأولمبية" من رحم "المدينة الرخامية"

لا شك أن الزائر لعشق أباد عاصمة تركمانستان، يصاب بالدهشة والانبهار من جمال مدينة عشقت الرخام فتلونت نهضتها العمرانية بلونه الأبيض، وانصهرت فيها ثقافات عديدة إسلامية وروسية وأذارية وفارسية... رسم ملامحها تاريخ قديم قدم هذه المدينة الرخامية العريقة.

وتقع تركمانستان في آسيا الوسطى، تحدها أفغانستان من الجنوب الشرقي، وإيران في الجنوب والجنوب الغربي، وأوزبكستان من الشرق والشمال الشرقي، وكازاخستان من الشمال والشمال الغربي وبحر قزوين من الغرب. وقد كانت تركمانستان سابقا إحدى الجمهوريات التابعة للاتحاد السوفيتي، تتربع على مساحة 491 كيلومتر مربع، يقطنها 5.12 مليون نسمة، أكثر من 90 بالمائة منهم مسلمون.

 "عشق آباد" عاصمة تركمانستان وإحدى ولاياتها الخمس، تبقى مجهولة لدى الغالبية العظمى من الجزائريين، تسير نحو أن تصبح واحدة من أجمل وأروع مدائن العالم في عمرانها الفريد ومساحاتها الخضراء وحدائقها الغناء التي تتحدى المناخ الحار صيفا وباردا شتاء. كما أنها ستصير حتما واحدة من أجمل عواصم المعمورة برونقها الخاص والمنفرد الذي يقوم على الرخام الأبيض المستورد من إيطاليا.

وانطلق تشييد "المدينة الرخامية" وتغيير وجه العاصمة "عشق آباد"، منذ استقلال تركمانستان عن الإتحاد السوفياتي عام 1991، خلال عهد الرئيس الأول صابر مراد نيازوف، واستمر الأمر مع وصول الرئيس الحالي لتركمانستان قربان قولي بيردي محمدوف للحكم في عام 2007، من خلال بناء مئات الأبراج والعمارات الضخمة المترامية الأطراف على سهول المدينة التي كانت بالأمس القريب أراضي جرداء يكسوها الثلج شتاء والجفاف صيفا.

تناسق وتناغم وعداوة مع السّجائر

 عشق أباد عاصمة تبدو مولودة من رحم الرخام وهي تتفتح بفتنة وسحر على الأفق ببناياتها الرخامية وشوارعها الواسعة والنظيفة التي تتراكم حولها الحدائق والمساحات الخضراء، وتكتنز بين حنياها أرصفة مشيّدة بالرخام الأسود، ومواقف حافلات ليست كغيرها، فهي مجهزة بمكيفات للتبريد وشاشات تلفزيونية.

وما يميّز هذه التحفة الفريدة أيضا، عناقها الدائم لنظافة خيالية ولافتة في كلّ الشّوارع، إذ تمضي النّهار متجوّلا دون أن تجد أثرا لقمامة أو ما يشوّه صورة هذه اللوحة التي لن ترى مثيلها في أي مكان، خاصة وأنّ أهم ما يميّزها مع بقية المحافظات الأربع الأخرى المكونة لتركمانستان، هي طلاقها البائن مع السّجائر، فالتدخين في كامل البلاد ممنوع بقرار حكومي على جميع الشّعب التركماني وحتى الزائرين.

وبين أحضان هذه القطعة الرخامية اصطفت العمارات الشاهقة البيضاء للمباني الحكومية والوزارات في شارع واحد، ليزيّنها اخضرار الأشجار ومختلف ألوان الأزهار، في تناسق تام، مثلها مثل مباني التعليم العالي والجامعات التي تنتصب على طول شارع آخر. كما شيّدت بالمدينة عديد المتاحف والنصب التذكارية مثل نصب الاستقلال ونصب الحياد، ومسجد جميل، ودار للسعادة لإقامة حفلات الزواج، فضلا عن المطار الجديد الذي اتخذ شكل صقر ودشن سنة 2016.

ودخلت "عشق آباد" عام 2013، وهي تتربع على مساحة 22 كيلومتر مربعوقامت على أنقاض مدينة دمرها زلزال شديد عام 1948 أودى بحياة ثلثين من سكانها، موسوعة غينيس العالمية لامتلاكها أعلى نسبة من المباني الرخامية، منها 543 مبنى جديد مكسو بـ 4.5 مليون متر مكعب من الرخام الأبيض. بينما يضم الشارع الرئيسي، بيتاراب تركمانستان سايولو الذي طوله 12.6 كم ويضم 170 مبنى عادي مكسو بـ 1.1 مليون متر مكعب من الرخام الأبيض. وحسب موسوعة غينيس، فلو يتم وضع الرخام على الأرض فسيغطي واحد متر مربع لكل 4.87 متر مربع من مساحة أراضي العاصمة عشق آباد.

وللخيل عشق خاص

ولأن الإنسان التركماني متيّم بالخيل، فهناك عناية خاصة للخيل، من خلال اهتمام حكومي بالغ بها، فقد تم إقامة مجمعات كبيرة لتربية الخيول وتدريبها، على غرار مجمع الفروسية الرئاسي، الذي زرناه ويحوي على ميادين للترويض وقاعات للعروض التي يقدمها الفرسان مع خيولهم. وقد حضرنا عرضا في غاية الروعة قدمه فرسان وفارسات مع جيادهم التي تناسقت مع كل حركة أدوها بصبر وعناية.

 وما يعرف عن خيول تركمانستان، أنها من بين أجمل سلالات الخيول في العالم، وأكثرها قدرة على التحمل والصبر في ظل ظروف طبيعية قاسية، ويتمتع الخيل التركماني بذكائه ورشاقته وقوته، وسرعته وألوانه اللامعة، ورقبته الطويلة وسيقانه الرفيعة الرقيقة. كما أنها لا تقبل الإهانة أو المعاملة السيئة، فإذا أساء الفارس معاملتها تمتنع عن الطعام والشراب إلى أن تقبل اعتذاره حين يقوم بمعاملتها بلطف ومودة. فهي تمتلك القدرة على التمييز بين التعابير الإيجابية والسلبية على وجه الإنسان.

قرية أولمبية بجودة عالمية

ولأن مدينة حديثة في صورة "عشق أباد"، لا يكتمل رونقها دون مرافق رياضية عصرية، انطلق سنة 2010 مشروع لتجسيد قرية أولمبية من طراز عالمي، وقد تم تشييدها وتجهيزها لاحتضان أول فعالية آسيوية في تاريخها، المتمثلة في دورة الألعاب الآسيوية الخامسة داخل القاعات والرياضات القتالية المقررة في الفترة من 17 إلى 27 سبتمبر 2017.

 وبمناسبة بقاء مائة (100) يوم عن موعد هذا الحدث الهام الذي توليه السلطات التركمانية اهتماما بالغا، تم استقبال أكثر من 100 إعلامي ممثلين لأكثر من 36 دولة من مختلف قارات العالم، كانت الجزائر من المدعويين، وقفنا على الجاهزية الكبيرة لهذا البلد الآسيوي لإنجاح أول حدث رياضي آسيوي يقام على أرضه، لاسيما وأنه يريد أن يحقق نهضة رياضية مميزة.

 القرية الأولمبية التي ولدت من رحم المدينة الرخامية لعشق آباد، يمكن وصفها بالأسطورية، لأنها قرية متكاملة وبإمكانها إغراء واستضافة أحداث رياضية عالمية كبرى، نظرا لما تحويه من مرافق متطورة تنسجم مع المعايير الرياضية الأولمبية. إذ تحتوي المدينة على ملعب أولمبي يعلوه رأس حصان كرمز ثقافي مقدّس لدى التركمانيين، بالإضافة إلى 30 منشأة رياضية أخرى.

من جهتها باتت كلّ المرافق والقاعات الخاصة بالسّباحة ومختلف الرّياضات الأخرى في أتم الاستعداد لاستقبال ضيوفها، فضلا عن المركز الإعلامي المتطوّر جدا والذي يسهل مهام الصحافيين في نقل فعاليات الحدث، خاصة مع توفّر خدمة النقل عبر انسياب خط سكة حديدية معلق في الهواء إلى كل أطراف وزوايا القرية الأولمبية، ليتمكن من خلاله الرياضي المشارك من التنقل براحة ومتعة من إقامته إلى القاعات أو نقاط المنافسة التي يريدها.

وتحتوي القرية الأولمبية لعشق آباد على 200 مبنى يتشكل كل واحد منها من 12 طابقا، ونحو 1500 شقة تحتوي على 10 آلاف سرير. ولا يزيد عدد الرياضيين في الشقة الواحدة عن الأربعة. بالإضافة إلى توفر شقق من سريرين، وهو ما يعكس الرفاهية التي تنتظر الرياضي الآسيوي الذي سينزل ضيفا على عشق آباد شهر سبتمبر المقبل.

 الرقم الفاعل الذي تعطيه اللجنة المنظمة للألعاب اهتماما خاصا، هم المتطوّعون، حيث تكفلت بتدريب 8 آلاف متطوّع من الجنسين تم اختيارهم من ضمن 12 ألف متطوّع دخلوا المسابقة قبل أكثر من عام عن موعد انطلاق الدورة.

احتفالية رائعة للعد التنازلي

أبت اللجنة المنظمة لدورة الألعاب الآسيوية الخامسة داخل القاعات والرياضات القتالية، أن يكون العد التنازلي لبقاء 100 يوم عن انطلاق الحدث، من خلال إقامة حفل رائع في إحدى ملاعب مدينة ماري التاريخية. وقد كان الحفل مميزا نشطه 5000 مشارك من كل الأعمار تفننوا في عرض الرقصات التركمانية، ولوحات فنية عكست تقاليد ومختلف طبوع الفولكلور التركماني، وحاولت تمرير رسائل السّلام والأمن والترويج لثقافة عريقة وحلم مدينة عشقت الرخام فسكنها.

من جهتهم، لم يفوت الرياضيون التركمان الذين سيشاركون في دورة الألعاب الآسيوية داخل القاعات، فرصة تقديم استعراضات رياضية تعكس مدى الاستعداد والتحضير لهذه المنافسة، أمام الضيوف من الوفد الإعلامي العالمي، الذي تفاعل مع تلك العروض من خلال تغطية كل تفاصيلها.

وتم تنظيم بالمناسبة ملتقى إعلامي لضيوف تركمانستان بمدينة ماري، تحت عنوان "عشق آباد في عيون الإعلام العالمي"، والذي عرف تدخل عدد كبير من الإعلاميين وممثلي الشركات الراعية، فضلا عن الشخصيات الفاعلة في احتضان تركمانستان للدورة الخامسة للألعاب الآسيوية والرياضات القتالية، على غرار مدير الدورة ولاعب المصارعة الشهير كوميكوف، والذي أكد أن الحدث يعتبر الأبرز في مشاركات تركمانستان الرياضية وأن الإعداد لها قد اكتمل. 

المواضيع المتعلقة :